“أَزرار” – الحلقة 1032
البُعد الجدَلـيّ بين الثُــقْـب الأَسْوَد والـخُلُود
“النهار”  –  السبت  24 آذار  2018

مثيرٌ جَدَلًا واسعًا في حياته ونظريَّــتـه. هكذا يمكن التعريف بعالم الفيزياء البريطاني سْـتِـفِـن وليام هوكِنغ Hawking الذي رحل قبل أَيّامٍ متأَخِّرًا 54 عامًا عن تشخيصٍ طبّي كان قدَّر له سنة 1962 أَنه لن يعيش سوى سنتين لإِصابته بِـمرض انحلال العضَلات، وهو يشلُّ تدريجيًّا كل عضَلة في الجسم وكل عصَب حتى تتوقَّف فيه كلُّ حركة.

سوى أَنه لم يكتَفِ بتحدّي المرض، بل واصلَ أَبحاثه في الفيزياء، متجاوزًا انحلالَ أَعضاء جسمه تباعًا، معتبرًا أَنّ كلَّ يومٍ إِضافـيٍّ يعيشه هو علاوةٌ في عُمره يُفيد منها لـمواصلة البحث في نظرياته العلْمية التي أَدَّت به إِلى إِيجاد معادلة تختصر بإِيجازها نظريات أَساسية للكون كلَّفَت علماء الفيزياء ليالي طويلة مضْنيةً في العمل على فكّ رموزها ذات البُـعْـد الثالث بين نظرية الــ”بيغ بانغ” (الانفجار الكبير) ونظرية آينشتاين عن النسبية. ومن هذا البُعد الجدلـيّ أَثبت أَن النسبية ليست كافية لتفسير الكون، بل هو بدأَ من ثُقْب أَسود صغير في جُـزَيـئَـة الذَرَّة، نَـمَا تباعًا كالنُطفة تنمو إِلى جنينٍ فإِلى مولود. وبتلك النظرية الجدلية الـمناقضةِ جميعَ ما قبلها، أَطلق معادلةً ظلَّ طوال حياته يدافع عنها بخلاصة علمية لا تزال تشغل علماء الفيزياء لِــجَمْعها الثلاثيّ بين نظرية نيوتُن في الجاذبية، ونظرية آينشتاين في النسبية، ونظرية هوكنغ في الثُقب الأَسود. وعبثًا حاول العلماء محاجَجَـته في معادلته العلْمية لِــما فيها من تناقضاتٍ صادمة أَحدَثَت زلزالًا هائلًا في الفيزياء النظرية، لكنه ظل متمسِّكًا بصوابِــيَّــتها حتى وفاته. ومن شدة قناعته بها أَوصى بحفر رمزها شاهدةً على قبره في مدافن دير وسْتْمِنْسْتر حيث يرقد أَيضًا “زميلاه” في العلْم إِسحق نيوتن وتشارلز داروين مُسَجِّلًا مصادفاتٍ علْميةً أُخرى: أَن يكون وُلد (8 كانون الثاني 1942) نهار الذكرى 300 لوفاة غاليليو (8 كانون الثاني 1642) وأَن يكون تُوفّـي (14 آذار 2018) نهار الذكرى 139 لولادة آينشتاين (14 آذار 1879).

بغيابه يسجِّل تاريخ العلْم في العصر الحديث حضُورًا خالدًا في شخصية رجلٍ مشلُول القُدُرات الجسدية، محلُول الحركة والنطق، مغلُول الأَعضاء جميعها، ظلَّ يعاندُ جسدَه ويقاومُ المرَضَ بفكْر ساطع لم ينطفئْ حتى توقَّفَ قلبُه قبل أُسبوعين عن 76 سنة.

هكذا شاء هوكنغ خلودَه على شاهدة فوق ضريحه تَـختصر ما قدَّمه للعلْم من تَقَدُّم وللعالم من تطَوُّر، وهو هذا مجده الخالد، بعكس ما على أَضرحةٍ كثيرة لـحُكَّام العالم من شواهدَ عند أَضرحتهم شاهدةِ عارٍ تاريخيّ على ما خلَّفوه في العالم من حروبٍ وكوارثَ وفواجعَ وحُرقةٍ ودُموع.

هكذا، بين شاهدة وشاهدة، يقف التاريخ شاهدًا على مَن عَـمَّـر البشريةَ بعبقريته، ومن دمَّر الإِنسانية بِـجنون العظمة الفارغة.

هـنـري  زغـيـب

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

ممنوع التعليق