820: ليست حبراً على ورق
السبت 30 تشرين الثاني 2013

        العملةُ وجهُ البلاد، والعاملةُ على توحيد أَبنائها يتداوَلون بها أَياً يكن موقفُهم وموقعُهم. لذا يحرص مصمِّموها على تضمينها رموزاً معنويةً وماديةً تعود إِلى تاريخ البلاد أَو تُعيد استذكار أَعلامها.

          وهو ما عاينه اللبنانيون في أُسبوع الاستقلال بورقة الخمسين أَلف ليرة حاملةً رموزاً لبنانية: بيت لبناني تقليديّ، تخطيط العَلَم اللبناني، خارطة لبنان، أَوّل عَلَم استقلالي مع تواقيع النوّاب السبعة عليه، كلمتا “بَحرُهُ بَرُّهُ” من النشيد اللبناني الرسمي.

كانت ورقة محدودة الكمّيّة نفَدَت سريعاً. وبالإِشاحة عن الخطإِ اللغوي فيها وآراء مواطنين على مواقع التواصُل الاجتماعي مُراهِقَةٍ مرتجَلةٍ لا عمق فيها ولا مسؤولية، تَحمل الورقة النقدية الجديدة قيَماً لبنانية وطنية وثقافية واجتماعية مهما تنافرَت النظرة إِليها لأَغراض ذاتية.

          من دلالات القِيَم تُبرزها البلاد على عمْلتها: قرار مصرف إِنكلترا المركزي إِصدار ورقة العشرة ﭘـاوندات حاملة رسم الروائية جين أُوستن تكريماً لـمكانتها الأَدبية بتصوير الحياة الإِنكليزية في زمانها (القرن الثامن عشر)، وتحت الرسم عبارتُها: “لا متعةَ أَلذُّ من القراءة”. وأَعلن حاكم المصرف أَنها “تستحقّ التكريم لـما في رواياتها من طابع شمولي وفائدة عامة، وتالياً تستاهل أَن تظهر صورتها على العملة الإِنكليزية كما صُوَرُ أَعلام إِنكليز آخرين”.

          وهذه أَوراق الدولار عليها رموز أَميركية: جورج واشنطن، توماس جفرسون، أَبرهام لنكولن، إِعلان الاستقلال، البيت الأَبيض، مبنى الكابيتول، …

          وهذه أَوراق اليورو تحمل رموز اتحادٍ أُوروﭘـي من 17 دولة ذات 330 مليون نسمة، عليها من جهةٍ رسمٌ موحَّد للاتحاد، ومن الجهة الأُخرى صُوَر من كل دولةٍ برموزها الوطنية والتاريخية، مع حق كلّ دولةٍ بعملة تذكارية ذات رسومٍ وصُوَر لـمناسبات وطنية خاصة أَو أُوروﭘــية عامة.

          ومن الدلالات على الرابط الوطني للعملة: ما قام به في تونس مناوئو الحكم الحالي بكتابة شعارات وانتقادات لاذعة على الأَوراق النقدية انتشرت بين المواطنين الذين يتناقلونها تلقائياً كلّ يوم مراراً.

          للعملة إِذاً قيمةٌ رمزيةٌ عدا أَهميتها الاقتصادية والمالية. هي ليست حبراً على ورق بل الوجهُ الساطع لوحدة البلاد. يجب احترامها بأَوراقها والرموز على أَوراقها ولا يجوز التعامل معها بأَقلّ من هذا الاحترام: كالسخرية منها أَو الكتابة عنها أَو التوقيع عليها كما يحصل عندنا بكل غباءٍ في بعض الـمَحالّ التجارية فتَفْقدُ الورقة النقدية قيمتَها المعنوية ولو احتفظت بقيمتها النقدية.

          وفي رأْس ما يُلْزِم هذا الاحترام: حفاظُ عملتِنا على صَلابتها رغم براكينَ وحشيةٍ تتفجَّر كلّ يوم عند جذوع لبنان.

ممنوع التعليق